الذهبي

472

سير أعلام النبلاء

قلت : بل مداره على الحارث بن عمرو ، وفيه جهالة ، عن رجال من أهل حمص ، عن معاذ . فإسناده صالح ( 1 ) . قال المازري في شرح " البرهان " في قوله : إن الله يعلم الكليات لا الجزئيات ، وددت لو محوتها بدمي . وقيل : لم يقل بهذه المسألة تصريحا ، بل ألزم بها لأنه قال بمسألة الاسترسال فيما ليس بمتناه من نعيم أهل الجنة ، فالله أعلم ( 2 ) . قلت : هذه هفوة اعتزال ، هجر أبو المعالي عليها ، وحلف أبو القاسم القشيري لا يكلمه ، ونفي بسببها ، فجاور وتعبد ، وتاب - ولله الحمد - منها ، كما أنه في الآخر رجح مذهب السلف في الصفات وأقره ( 3 ) .

--> ( 1 ) وممن مال إلى القول بصحته أبو بكر الرازي الجصاص ، وأبو بكر بن العربي ، والخطيب البغدادي ، وابن قيم الجوزية ، قالوا : إن الحارث بن عمرو ليس بمجهول العين ، لان شعبة بن الحجاج يقول عنه : إنه ابن أخي المغيرة بن شعبة ، ولا بمجهول الوصف ، لأنه من كبار التابعين في طبقة شيوخ أبي عون الثقفي المتوفى سنة 116 ه‍ . ولم ينقل أهل الشأن جرحا مفسرا في حكمه ، ولا حاجة في الحكم بصحة خبر التابعي الكبير إلى أن ينقل توثيقه عن أهل طبقته ، بل يكفي في عدالته وقبول روايته أن لا يثبت فيه جرح مفسر عن أهل الشأن لما ثبت من بالغ الفحص على المجروحين من رجال تلك الطبقة ، فمن لم يثبت فيه جرح مؤثر منهم ، فهو مقبول الرواية ، والشيوخ الذين روى عنهم هم من أصحاب معاذ ، ولا أحد من أصحاب معاذ مجهولا ، ويجوز أن يكون في الخبر إسقاط الأسماء عن جماعة ، ولا يدخله ذلك في حيز الجهالة ، وإنما يدخل في المجهولات إذا كان واحدا ، فيقال : حدثني رجل أو إنسان ، وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى ، وقد خرج الامام البخاري الذي شرط الصحة حديث عروة البارقي : سمعت الحي يتحدثون عن عروة ، ولم يكن ذلك الحديث في جملة المجهولات . وقال مالك في القسامة : أخبرني رجل من كبراء قومه ، وفي الصحيح عن الزهري حدثني رجال عن أبي هريرة : " من صلى على جنازة فله قيراط " . وانظر " الفقيه والمتفقه " : 1 / 188 ، 190 ، واعلام الموقعين 1 / 202 . ( 2 ) انظر المنتظم : 9 / 19 ، 20 ، وطبقات السبكي : 5 / 588 ، وقد عقد هذا الأخير فصلا خاصا لمسألة الاسترسال بعنوان شرح حال مسألة الاسترسال التي وقعت في كتاب البرهان : ص 192 ، 207 . ( 3 ) سيذكر المصنف قريبا عن النظامية النص الذي صرح فيه برجوعه إلى مذهب السلف في الصفات .